الغزالي
132
إحياء علوم الدين
به للصوفية . ولا ينجبر هذا بالزي والمخالطة . فأما الوراقة والخياطة وما يقرب منهما ، مما يليق بالصوفية تعاطيها ، فإذا تعاطاها لا في حانوت ، ولا على جهة اكتساب وحرفة ، فذلك لا يمنع الاستحقاق ، وكان ذلك ينجبر بمساكنته إياهم مع بقية الصفات وأما القدرة على الحرف من غير مباشرة : لا تمنع . وأما الوعظ والتدريس : فلا ينافي اسم التصوف ، إذا وجدت بقية الخصال من الزي والمساكنة والفقر . إذ لا يتناقض أن يقال صوفي مقرئ ، وصوفي واعظ ، وصوفي عالم أو مدرس . ويتناقض أن يقال صوفي دهقان ، وصوفي تاجر ، وصوفي عامل وأما الفقر : فإن زال بغنى مفرط ينسب الرجل إلى الثروة الظاهرة ، فلا يجوز معه أخذ وصية الصوفية . وإن كان له مال ولا يفي دخله بخرجه ، لم يبطل حقه . وكذا إذا كان له مال قاصر عن وجوب الزكاة ، وإن لم يكن له خرج . وهذه أمور لا دليل لها إلا العادات وأما المخالطة لهم ومساكنتهم : فلها أثر . ولكن من لا يخالطهم وهو في داره ، أو في مسجد على زيهم ، ومتخلق بأخلاقهم ، فهو شريك في سهمهم . وكان ترك المخالطة يجبرها ملازمة الزي . فإن لم يكن على زيهم ، ووجد فيه بقية الصفات ، فلا يستحق إلا إذا كان مساكنا لهم في الرباط ، فينسحب عليه حكمهم بالتبعية . فالمخالطة والزي ينوب كل واحد منهما عن الآخر . والفقيه الذي ليس على زيهم هذا حكمه ، فإن كان خارجا لم يعد صوفيا ، وإن كان ساكنا معهم ، ووجدت بقية الصفات ، لم يبعد أن ينسحب بالتبعية عليه حكمهم وأما لبس المرقعة من يد شيخ من مشايخهم : فلا يشترط ذلك في الاستحقاق وعدمه لا يضره مع وجود الشرائط المذكورة . وأما المتأهل المتردد بين الرباط والمسكن فلا يخرج بذلك عن جملتهم . مسألة : ما وقف على رباط الصوفية وسكانه ، فالأمر فيه أوسع مما أوصى لهم به لأن معنى الوقف الصرف إلى مصالحهم ، فلغير الصوفي أن يأكل معهم برضاهم على مائدتهم مرة أو مرتين فإن أمر الأطعمة مبناه على التسامح ، حتى جاز الانفراد بها في الغنائم المشتركة . وللقوال أن يأكل معهم في دعوتهم من ذلك الوقف ، وكان ذلك من مصالح معايشهم . وما أوصى